الخطيب الشربيني
409
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
عام كذا ، وإنما كان مجيئك في وقت واحد من أوقاته ا . ه . ولما ذكر التأثير في الأحياء أتبعه التأثير في الجمادات وبدأ منها بالسفليات لملابستها للإنسان فتكون عبرته بها أكثر ، فقال تعالى : وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبالُ أي : التي بها ثباتها حملتهما الريح أو الملائكة أو القدرة من أماكنهما فَدُكَّتا أي : مسحت الجملتان الأرض وأوتادها وبسطت ودق بعضها ببعض دَكَّةً واحِدَةً أي : فصارتا كثيبا مهيلا بأيسر أمر ، فلم يميز شيء منهما عن الآخر بل صارتا في غاية الاستواء ، ومنه اندك سنام البعير إذا انفرش في ظهره ، وقال الفراء : لم يقل فدككن لأنه جعل الجبال كلها كالجملة الواحدة والأرض كالجملة الواحدة ، ومثله أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما [ الأنبياء : 30 ] ولم يقل كن وهذا الدك كالزلزلة لقوله تعالى : إِذا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزالَها [ الزلزلة : 1 ] . وقوله تعالى : فَيَوْمَئِذٍ منصوب بوقعت وقوله تعالى : وَقَعَتِ الْواقِعَةُ لا بد فيه من تأويل ، وهو أن تكون الواقعة صارت علما بالغلبة على القيامة أو الواقعة العظيمة وإلا فقام القائم لا يجوز إذ لا فائدة فيه ، والتنوين في يومئذ للعوض من الجملة تقديره : يوم إذ نفخ في الصور ، ونوع تعالى أسماء القيامة بالحاقة والواقعة والقارعة تهويلا لها . ولما ذكر تأثير العالم السفلي ذكر العلوي بقوله تعالى : وَانْشَقَّتِ السَّماءُ أي : ذلك الجنس لشدة هول ذلك اليوم ، أي : انصدعت وتفطرت ، وقيل : انشقت لنزول الملائكة بدليل قوله تعالى : وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّماءُ بِالْغَمامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلًا [ الفرقان : 25 ] . فَهِيَ يَوْمَئِذٍ واهِيَةٌ أي : ضعيفة متساقطة خفيفة لا تتماسك كالعهن المنفوش بعدما كانت محكمة يقال : وهي البناء يهي وهيا فهو واه إذا ضعف جدا ويقال : كلام واه ، أي : ضعيف وقيل : واهية ، أي : متخرّقة مأخوذ من قولهم : وهي السقاء إذا تخرّق ومن أمثالهم « 1 » : خل سبيل من وهي سقاؤه * ومن هريق بالفلاة ماؤه أي : من كان ضعيف العقل لا يحفظ نفسه ، وقرأ أبو عمرو وقالون والكسائي بسكون الهاء والباقون بكسرها وَالْمَلَكُ أي : هذا النوع عَلى أَرْجائِها أي : نواحي السماء وأطرافها وحواشي ما لم ينشق منها قال الضحاك : يكونون بها حتى يأمرهم الله تعالى فينزلون فيحيطون بالأرض ومن عليها ، وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه : المعنى والملك على حافات الدنيا ، أي : ينزلون إلى الأرض ويحرسون أطرافها ، وقيل : إذا صارت السماء قطعا تقف الملائكة على تلك القطع التي ليست متشققة في أنفسها ، والأرجاء في اللغة : النواحي والأقطار بلغة هذيل واحدها رجا مقصور وتثنيته رجوان ، مثل عصا وعصوان قال القائل « 2 » : فلا ترمي بي الرجوان إني * أقل القوم من يغني مكاني قال ابن عادل : ورجا هنا يكتب بالألف عكس رحى لأنه من ذوات الواو . فإن قيل : الملائكة يموتون في الصعقة الأولى لقوله تعالى : فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَمَنْ فِي
--> ( 1 ) الرجز بلا نسبة في لسان العرب ( وهي ) ، ومجمع الأمثال 1 / 240 . ( 2 ) البيت من الوافر ، وهو لعبد الرحمن بن الحكم في الاقتضاب في شرح أدب الكاتب ص 366 ، وبلا نسبة في أدب الكاتب ص 257 ، ولسان العرب ( رجا ) .